الاختصاصيون النفسيون: شخصية الفرد تتكون وتتشكل في السنوات الأولى فقط من حياته
عدد القراءات : 299 - 31/01/2010
السنوات الثلاث الأولى هي المرحلة الأهم في حياة الطفل
الاختصاصيون النفسيون: شخصية الفرد تتكون وتتشكل في السنوات الأولى فقط من حياته
مريم جبة هل فكر أحد أن يكتب عن حياة طفله منذ ولادته وحتى بلوغه ثلاث السنوات من عمره وهي المرحلة الأهم في حياة الطفل كما يؤكد علماء النفس؟؟ لقد قام بذلك العديد ممن اهتموا بهذه المرحلة المهمة من حياة الطفل، وقد بدأ هذا الاهتمام في القرن السابع عشر عندما نشر «بستالوتزي» مذكراته التي كتبها عن حياة طفله البالغ من العمر ثلاث سنوات ونصف، ويقال إن هذه المذكرات هي أول ما نشر في العالم عن تراجم الأطفال وكان ذلك عام 1774، وفي عام 1787 نشر «تيدمان» ملاحظاته عن نمو طفله في السنين الأولى من حياته، وتميزت دراسته بالدقة العلمية التي نراها الآن في الأبحاث الحديثة. وبعد ذلك كتب العديد من المهتمين عن سير الأطفال، وتطور هذا الأمر في القرن التاسع عشر وأصبحت عملية تربية الطفل ومراقبته في السنوات الأولى من حياته من الأمور المهمة التي يركّز عليها كل من علماء النفس وعلماء الاجتماع. وإذا ما تساءلنا في وقتنا الراهن، ونحن محاطون بالتقنيات الحديثة والتكنولوجيا الحديثة أيضاً، هل ثمة من يهتم بمراقبة طفله في سنوات عمره الأولى الممتدة منذ اليوم الأول من ولادته وحتى نهاية السنة الرابعة؟ سؤال طرحته الرأي على عدد من الأمهات والآباء وكانت المتابعة التالية... «أم مجد» قالت: «في الحقيقة أنا أهتم بطفلي اهتماماً بالغاً وهذا واجب كل أم، وأراقب حركاته ولعبه، وطفلي الآن في السنة الثانية من عمره وقد لاحظت العديد من الميزات في سلوك طفلي وهي أن لديه حركة زائدة عن حدها قياساً للأطفال في مثل سنه» وعندما سألنا «أم مجد» فيما إذا كانت تسجل هذه الملاحظات أو غيرها على دفتر خاص بطفلها أجابت أن هذه المسألة لم تتبعها، إنما تكرس معظم وقتها للبقاء مع طفلها ولا تتركه ولا لحظة وخصوصاً أنها غير موظفة وليس لديها سوى «مجد» الذي تعتبره هبة الله على الأرض وهبها الخالق ثمرة حب وارتباط مقدس جمع بينها وبين زوجها «أبو مجد» الذي التقته «الرأي» أيضاً وكانت إجاباته تشبه إجابات زوجته إلا من مسألة أصرّ على أن نذكرها في متابعتنا هذه وهي أن ابنه جعله يعيش حياة مليئة بالسعادة والسرور، وأن تربية الطفل مسألة ليست بالأمر السهل إنما تحتاج للكثير من الوقت والمتابعة والاهتمام الكبير. «أم عمر» أنجبت عشرة أولاد كانت لها تجربة ناجحة -حسب قولها- في تربية أولادها العشرة حيث الكبير تجاوز الثلاثين من عمره، فيما الطفل الذي تلتفت الآن إلى تربيته يبلغ من العمر سبع سنوات وتوليه اهتماماً كبيراً لأنه -حسب ما أكدت لنا- آخر العنقود، وقالت إنه لم يساعدها في تربية أولادها جميعهم أحد حتى زوجها فقد كان يغيب عن البيت كثيراً بحكم عمله المتواصل، مؤكدة أنها لم تسجل أي شيء على دفتر فيما يخص تربية أولادها، إنما ربّت هؤلاء الأولاد تربية عادية استلهمتها من والدتها، ولكثرة ولاداتها اكتسبت خبرة كبيرة في التربية، والآن أولادها بخير وليست لديهم أي مشاكل تُذكر حتى أن خمسة منهم تزوجوا وأنجبوا أطفالاً ويربّون أولادهم بالطريقة نفسها!! السيدة "علا" الموظفة في إحدى الجهات الخاصة، ولديها طفل في الثالثة من عمره قالت: إن تربية طفلها لم تأخذ من وقتها الكثير لأن والدتها تساعدها في ذلك في بعض الأحيان، وأن هناك خادمة في البيت تبقي طفلها لديها حتى انتهاء عملها الذي يمتد من التاسعة صباحاً وحتى الرابعة بعد الظهر، وفيما إذا كانت تلتفت لمراقبة حركات وسلوك طفلها وتهتم بتسجيل ذلك على دفتر خاص بهذه الناحية، أوضحت أنها لم تفكر بهذا الأمر إنما تحتضن بداخلها شوقاً متواصلاً لطفلها، وتترجمه منذ دخولها البيت في فترة بعد الظهر حتى موعد نوم الطفل، وفي الوقت نفسه فإن زوجها الغائب باستمرار عن البيت بحكم عمله الذي يتطلب سفراً متواصلاً لا يهتم بمراقبة طفله أو حتى بمساعدتها في تربيته-حسب ما أكدته لنا السيدة «علا» . «أم منير» التي تفرغت تماماً بعد إنجابها طفلها الأول البالغ من العمر الآن أربع سنوات قالت: «لقد تركت وظيفتي بشكل نهائي منذ حدوث الحمل لدي، وأنجبت طفلي الأول الذي أعتبره كل شيء لي في هذه الحياة بعد سنوات عديدة من الزواج، وبعد أن كنت سأقطع الأمل في الإنجاب بسبب بعض المشكلات التي كنت أعانيها في هذا المجال، ولكن وبعد فترة علاج لدى أحد الأطباء أكرم الله علينا أنا وزوجي بطفلنا الوحيد الذي أهتم به كل اهتمام حيث أسجّل كل حركة وكل سلوك له منذ اليوم الأول من ولادته» وأضافت «أم منير»: يبدو أن السعادة لها تأثير سحري على النفس وتجعلنا نصب كل اهتماماتنا على من سبب لنا السعادة، فكيف إذا كان هذا المسبب هو الابن مؤكدة أنها ربما تخرج بكتاب مهم جداً عن تجربتها في تربية طفلها لأنها تصرّ على متابعة هذه المسألة حتى بلوغ ابنها مئة العام-حسب قولها-. إحدى السيدات التي رفضت ذكر اسمها أنجبت سبعة أولاد أكبرهم في العشرين من عمره بينما أصغرهم في الخامسة من عمره قالت: كثرة الأولاد تسبب «وجع راس» لكنهم يتحولون عندما يكبرون إلى سعادة كبيرة تحيط بالآباء والأمهات، وبالنسبة لها فلا تذكر أنها راقبت طفلاً منذ ولادته وحتى كبُر وأصبح شاباً إنما أنجبت الأطفال واهتمت بهم ورعتهم الرعاية المطلوبة من قبل أي أم في العالم، ورغم كل الهموم والضغوط التي صادفتها في تربية أولادها إلا أنها سعيدة جداً بأن أولادها بخير وقد أصبحوا شباباً وصبايا يهتمون بأنفسهم، وختمت بعبارة «والله يُعين والطفل برعاية الخالق». فيما ترى سيدة أخرى أنه من الضرورة بمكان ألا يكون هناك أولاد كثيرون في الأسرة الواحدة، وأنه لا ضير في أن يكون هناك طفلان أو ربما ثلاثة، لأن هذا سيخلق توازناً لدى الأم في تربية أطفالها، وخاصةً إذا كانت أماً مثقفة وتمتلك الوعي والمعرفة، وهذا كافٍ لنشوء الطفل تنشئة اجتماعية متوازنة وجيدة. الاختصاصيون في علم النفس يؤكدون أنه كي ينشأ الطفل تنشئة اجتماعية سليمة يجب أن يكون هناك اهتمام بالغ بسنواته الثلاث الأولى، ويؤكدون أيضاً أن شخصية الفرد تتكون وتتشكل في السنوات الأولى فقط من حياته أما ما يتعرض له فيما بعد من تأثيرات فإنها تبقى ثانوية بالنسبة لما يكون قد تعرض له في مرحلة الطفولة، فعناصر شخصية الفرد تعود إلى مرحلة الطفولة وما يتعرض له من خبرات إيجابية أو سلبية، فالطفل يولد ولديه مجموعة من الغرائز والنزوات التي يحاول إشباعها وقد تهدد استقرار المجتمع، وعرّف علماء النفس مفهوم التنشئة الاجتماعية بأنها «العملية التي يستطيع بمقتضاها الأفراد المنشؤون اجتماعياً كبح نزواتهم وتنظيمها وفق متطلبات المجتمع ونظامه الاجتماعي السائد ويكون سلوكهم هذا مناقضاً لسلوك الأفراد غير المنشئين اجتماعياً والذين تؤدي أنانيتهم في إشباع نزواتهم للإضرار بالآخرين وسلامة المجتمع». كما أن التنشئة الاجتماعية هي «العملية التي يتم من خلالها التوفيق بين رغبات ودوافع الفرد الخاصة، وبين اهتمامات الآخرين الممثلة في البناء الثقافي الذي يعيش فيه الفرد والاستخدام المألوف للأساليب الشائعة في المجتمع» كالمحافظة على المواعيد وهذه الأشياء ضرورية إذا ما كان على الفرد أن يحيا في وئام مع نفسه ومع الآخرين في المجتمع. وبهذا نجد أن وظيفة التنشئة الاجتماعية من وجهة نظر علماء النفس، تحقق التوازن بين نزوات الفرد ورغبات المجتمع بحيث يمكن تهذيب هذه النزوات وتحويلها إلى سلوكيات مقبولة اجتماعياً ولا يكون هذا إلا مع بداية الطفولة، ولذلك وضعوا العديد من النظريات التي تحاول تفسير كيفية تشكيل الشخصية مثل نظريات سيغموند فرويد وآخرين. المنبر العربي