أيها الآباء.. هل تدركون حاجات أولادكم المراهقين؟ الأغلبية: للأسف لا نقرأ كتباً تتحدث عن مرحلة المراهقة
مريم جبة تُعرَّف المرهقة بأنها مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب، وهي فترة معقدة من التحول والنمو تحدث فيها تغيرات عضوية ونفسية وذهنية واضحة تقلب الطفل الصغير عضواً في مجتمع الراشدين.. وثمة تعريفات مختلفة للمراهقة: فهي فترة نمو جسدي، وهي ظاهرة اجتماعية، وهي مرحلة زمنية، وفترة تحولات نفسية عميقة، لكن التعريف الأشمل لها حسب الكثير من الباحثين فهي فترة نمو شامل ينتقل خلالها الكائن البشري من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد. ويؤكد العديد ممن تناولوا بالدراسة مرحلة المراهقة أنه يصعب تحديد نهاية المراهقة على الرغم من سهولة تحديد بدايتها والسبب يعود إلى أن بداية المراهقة تتحدد بالبلوغ الجنسي، فيما تتحدد نهايتها بالوصول إلى النضج في مظاهر النمو المختلفة، فالمراهقة عملية بيولوجية حيوية عضوية في بدئها وظاهرة اجتماعية في نهايتها. وهناك حاجات خلال مرحلة المراهقة الممتدة بشكل عام ما بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة من عمر الفرد، فالمراهق له حاجات ورغبات تتلاءم مع نضجه الجنسي، وله حاجات جسدية واجتماعية وشخصية، وهي لا تختلف في طبيعتها عن حاجات الآخرين من ذوي الأعمار المختلفة، لكن شدة بعض هذه الحاجات ومعناها يختلفان في مرحلة المراهقة عنها في مراحل حياته التالية، ومن هذه الحاجات حاجة المراهق إلى المكانة الاجتماعية: وهذه الحاجة تعد من أهم ما يشغل المراهق، حيث يكون حريصاً على أن تكون له مكانة في البيئة أو بين الجماعة التي يعيش فيها، كما أنه يكون شديد الرغبة لأن يتمتع بمكانة الراشدين وأن ينسلخ عن مرحلة الطفولة؛ ولهذا نرى المراهقين يدخنون على سبيل المثال ويحاكون الراشدين تماماً في سلوكهم، أما المراهقة فنراها تنتعل على سبيل المثال الحذاء ذا الكعب العالي وتضع أحمر الشفاه وتحاكي المرأة الناضجة، ويُشار هنا إلى أن المكانة التي يطلبها المراهق في جماعات أترابه هي أهم في نظره من مكانته عند أبويه ومعلميه، ويرفض أن يُعامل معاملة الأطفال أو أن يُطلب إليه القيام بأعمال يقوم بها الأطفال عادة. ومن الحاجات التي يتطلبها المراهق: الحاجة إلى الاستقلال، حيث تعد استقلالية المراهق مظهراً هاماً من مظاهر حياته، فهو يصر على أن يؤدي أعمالاً مستقلة عن الآخرين وحتى عن أبويه ليؤكد بذلك استقلاليته، كما أنه يكون شديد الرغبة في التحرر من سيطرة الأهل ليصبح فرداً مسؤولاً عن نفسه وعن أعماله، وعلى سبيل المثال كثيراً ما يريد المراهق أن يستقل في غرفة خاصة به عن إخوته الصغار، ويكره زيارة أهله المتكررة إلى المدرسة، ويكره أيضاً أن يُظهر والديه زيادة اهتمام به وبحاجاته؛ لأن ذلك يجعله يشعر بعدم النضج وعدم الاستقلالية. كما يحتاج المراهق إلى الطمأنينة والأمان، وما من شك في ثقة المراهق بنفسه وقدرته على ضبطها والسيطرة عليها وكل ذلك يرجع إلى إشباعه لحاجاته الانفعالية والاجتماعية، وغالباً ما نجد أن الكثير من المرهقين يعانون من أزمة ثقة في النفس بسبب إخفاقهم المبكر وعدم قدرتهم على التوقع الصحيح لما يجري في محيطهم، كما أن مشاعر المراهقين المتعارضة تجعلهم عاجزين عن اتخاذ القرارات الصحيحة والمناسبة، وكثيراً ما يعانون من رغبات متنافرة تجعلهم يتأرجحون بين الاستقلالية والحاجة إلى التأييد والدعم، وبين الأنانية والغيرية، وبين الخضوع والرغبة في تأكيد الذات، وهذه الرغبات المتعارضة كلها تخلق في نفس المراهق الشعور بعدم الكفاية والثقة ما يؤدي إلى انعدام الأمان لديه، كما أن اهتمام الأبوين ورعايتهما للمراهق تزيد من شعوره بالأمان إضافةً إلى أن قبول أترابه له يزيد هذا الشعور أيضاً، فالصداقة الحميمة تعد عاملاً هاماً من عوامل خلق الأمان في نفس المراهق. وثمة حاجات جسدية واجتماعية يتطلبها المراهق، وأيضاً تعد هذه الحاجات مهمة جداً بالنسبة له لأنها في نظره تحقق ذاته جسدياً واجتماعية، فالمراهق يسعى إلى أن يكون مقبولاً قبولاً كاملاً من الجماعات المرجعية، وإذا لم يتحقق له مثل هذا القبول يصبح تكيفه صعباً وتظهر عليه حالات من التوتر والصراع الشديد، وهذه الحالات قد تنتهي به إلى حالة من القلق الشديد والشعور بالنقص أو فقدان اعتبار الذات، وكل ذلك يدفعه إلى السلبية والانسحاب المفاجئ أو التدريجي من المجتمع فيصبح منعزلاً ويكثر من التفكير في الاعتداء على الآخرين، وبذلك تبرز لديه نزعات العداء والتخريب وقد تبرز لديه اهتمامات متميزة. وتشغل حياة المراهقين اهتمامات كثيرة يحتفظون بكثير منها حتى فترة ما بعد المراهقة، وهناك اختلاف كبير في الاهتمامات بين مراهق وآخر ومجتمع وآخر، كما أن هذه الاهتمامات تتبدل من جيل إلى جيل، ولكن هذا لا يمنع من القول إن ثمة اهتمامات عامة يمكن نسبتها إلى سن المراهقة، فالمراهقات على سبيل المثال يُظهرن اهتماماً بالجنس الآخر في سن المراهقة أكثر مما كنّ يُظهرنه في سن ما قبلها، كما يبالغن في الاهتمام بذواتهن ومظاهرهن، أما المراهقون يظهرون ميلاً إلى الجنس الآخر والعناية بمظهرهم، وقد أثبتت الدراسات أن المراهقين يفضلون الفعاليات العنيفة والخطرة والفعاليات التي تستلزم مهارات جسدية. كل ما عرضناه سابقاً من حاجات للمراهق تعتبر مهمة جداً، إلا أننا ارتأينا أن نسأل بعض الآباء والأمهات فيما إذا كانوا يهتمون بحاجات أبنائهم هذه أم أن الأمر بالنسبة لهم مجرد تربية وانتهى الأمر فكانت الإجابات التالية.. كمال.. أب لولدين فتاة في الخامسة عشر وفتى في السابعة عشر، أفاد أنه باعتبار هذه المرحلة من المراحل العمرية الخطيرة والمهمة لدى الشخص فإنه يهتم كثيراً في مراقبة ولديه باستمرار ويفتح معهما دائماً باب الحوار، مؤكداً أنه وولديه تربطهم علاقة صداقة قوية، وعندما يجد أحد ولديه المراهقين يعيش أزمة نفسية ما فإنه يتدخل بطريقة غير مباشرة ليزيح عنهما هذا الشعور لكي لا يتعرضا لأي أذى نفسي قد يجعلهما أكثر بعداً عن المجتمع. سوسن.. أم لفتى في السادسة عشر طرحنا عليها سؤال مفاده: هل تعرفين حاجات ابنك المراهق؟ وهل تعملين على توفيرها له؟ أجابت: بصراحة لست مطلعة على ما يتطلبه الفتى في مثل هذا العمر، لكن يمكن أن أؤكد أنني أراقب ولدي باستمرار ولا أدعه وحيداً على الإطلاق، كما أنها تعمل جاهدة على توفير الطمأنينة والأمان لولدها مهما كان الثمن، مؤكدة أنها تعيش حياة آمنة ومريحة جداً لأنها تشترك هي وزوجها الأستاذ الجامعي في تربية ابنهما ولا أحد يتدخل في ذلك غيرهما، وأن العلاقة التي تجمع بينها وبين ولدها وزوجها هي علاقة فيها الكثير من الحميمية والود والصداقة. هل تدركين حاجات ابنك المراهق، وهل تطلعين على كتب ودراسات تتحدث عن المراهقة؟ سؤال طرحته «الرأي» أيضاً على السيدة روضة التي تعمل مديرة إحدى مدارس ريف دمشق ولديها فتى واحد يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، أجابت روضة أنها للأسف لا تقرأ الكتب التي تتحدث عن مرحلة المراهقة، لكنها تكتفي بتجربتها التي اكتسبتها من خلال تدريسها للمرحلة الثانوية عدة سنوات، ومن ثم شغلها لمنصب مديرة مدرسة، وأضافت أن التجربة أغنتها كثيراً وأصبحت على علم بما تتطلبه مرحلة المراهقة من عناية ومراقبة مستمرة للمراهق، مشيرة إلى أن جيل اليوم والمراهقين تحديداً من فتيات وفتيان، لهو جيل خطير جداً ويتطلب الكثير من الهدوء والتعامل المرن، وخصوصاً أن أدوات عديدة باتت تتدخل في تربية مراهقي اليوم من الأم والأب إلى المحيط والفضائيات التي أصبح العديد منها مخيف جداً لما تعرضه من برامج وأغانٍ منافية جداً لما اعتاد عليه جيل سابق لم يكن يعرف سوى قناتين اثنتين هما: قناة البرنامج العام في التلفزيون العربي السوري والقناة الأردنية، ومن ثم أصبح للتلفزيون السوري ثلاث قنوات الفضائية والأولى والثانية، أما في الوقت الحالي فأصبح موضوع الفضائيات واقعاً مخيفاً وخطيراً جداً على أولادنا، وطالبت السيدة روضة المعنيين - ليس على المستوى المحلي فحسب بل على المستوى العربي بصورة عامة - بأن يعيروا انتباهاً للبرامج والأغاني التي تعرضها الفضائيات، مؤكدة أن الأمر إذا بقي على ما هو عليه فإن أخطر من ذلك بكثير ينتظر أولادنا في مستقبلهم. المنبر العربي بالتعاون مع صحيفة الرأي السورية