شكلت الزيارة الأولى للرئيس الباكستاني آصف علي زرداري إلى سورية منذ توليه منصب الرئاسة في باكستان حدثاً مهماً يحمل دلالات عميقة حول مدى الاستياء الباكستاني الشديد، والشعور المتزايد بالإحباط إزاء التوجهات الأميركية الأخيرة في منطقة شبه القارة الهندية، والتي كان آخرها اتفاق الرئيس الأميركي باراك أوباما مع رئيس الوزراء الهندي خلال لقائهما الأخير في واشنطن نهاية العام الماضي، على دعم البرنامج النووي والعسكري الهندي، وتزويد الهند بالأسلحة الأميركية المتطورة، وتعزيز العلاقات والراوبط الهندية - الأميركية على حساب أمن باكستان القومي والإقليمي. وفي هذا السياق كشفت مصادر ديبلوماسية تركية بعض ما دار بين الرئيسين الباكستاني آصف علي زرداري والسوري بشار الأسد، وأوجزتها كالتالي: - تعزيز العلاقات السورية - الباكستانية. - إطلاع الرئيس السوري على مجريات التطورات والأوضاع الساخنة الجارية في الساحتين الباكستانية والأفغانية. وبالمقابل اطلاع الرئيس الباكستاني على أوضاع منطقة الشرق الأوسط والمخاطر التي تحيط بها. - توثيق التعاون اللوجستي بين المؤسستين العسكريتين السورية والباكستانية، عبر تدريب الضباط والقادة السوريين في أكاديميات إسلام آباد العسكرية. - توثيق التعاون في المجال التكنولوجي والدفاع الجوي، حيث تضاهي منظومات الصواريخ الباكستانية (متعددة المديات) نظيرتها المصنعة في روسيا، التي ترفض تسليم سورية منظومة صواريخ »أس 300«، كونها تخل بتوازن المنطقة الاستراتيجي، وتتسبب بتوتير علاقة موسكو بتل أبيب من جهة وواشنطن من جهةٍ أُخرى. - حث سورية على تشكيل حلف ثُلاثي يضمها إلى جانب تركيا وباكستان لملء فراغ إيران في آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية المتأثرة بهيمنة الحلف الهندي - الإيراني على ساحتي باكستان وأفغانستان التابعتين لهذه القارة. ولهذا السبب انطلق الرئيس الباكستاني من دمشق إلى أبوظبي وأنقرة بهدف استكمال ملامح الحلف الثلاثي المذكور. - حض سورية على إقناع حركة »طالبان« التي تتمتع بعلاقات جيدة معها عبر زعيم تنظيم القاعدة أُسامة بن لادن وزوجته الثانية »أُم بكر« السورية الأصل، والتي سلمتها السلطات الإيرانية لنظيرتها السعودية هي وأبناءها مطلع الشهر الجاري. ناهيك عن وجود شركات بن لادن القابضة في دمشق- حي المهاجرين. أو توسط دمشق لدى طهران بغية وقف الأخيرة دعمها للمعارضة الباكستانية الشيعية الموزعة قياداتها بين دمشق وطهران. - الاتفاق على توحيد الجهود في مواجهة الهجمة الاستخباراتية الإسرائيلية على الساحتين السورية والباكستانية. حيث تتعرض الأخيرة لهجمات مسلحة من قبل جماعات متطرفة تدعمها المخابرات الإسرائيلية الخارجية (الموساد)، والتي تسببت بخلخلة الوضع الأمني الباكستاني، ما قاد إلى شن واشنطن هجمة ديبلوماسية شرسة على الرئيس زرداري واصفةً إياه بـ»الضعيف« وغير القادر على ضبط أوضاع باكستان الأمنية. ناهيك عن سحب واشنطن »كلمة سر« القنبلة النووية الباكستانية من الرئيس زرداري وتسليمها لرئيس وزرائه، وهي سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ باكستان السياسي منذ استقلالها عن الهند مطلع عام 1948. - سعي زرداري إلى تشكيل جبهة معارضة للتطبيع مع إسرائيل تضم بلاده وسورية والسعودية وتركيا. وللضغط على إسرائيل للإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني كاملةً، وتنفيذها شرط قيام الدول الفلسطينية الكاملة على أراضي 1967، بسبب الدعم اللوجستي الذي تقدمه إسرائيل للهند خصم باكستان اللدود، وقيام الجيش الهندي بتدريب جنود إسرائيليين داخل المعسكرات الهندية المتاخمة للحدود الباكستانية في إقليم كشمير المتنازع عليه من إسلام آباد ونيودلهي. - الاستفادة من المعاهد الدينية في سورية، بسبب وجود طلبة علوم شرعية باكستانيين وأفغان في المعاهد الإسلامية السورية يتلقون دروساً دينية عن المذهبين »الحنفي« و»الشافعي« وليس »الحنبلي« الذي تتبعه فصائل الجهاد السلفية المتطرفة في باكستان وأفغانستان والتي تسببت بإقلاق أمن كلا البلدين. يضاف إلى ذلك، سعي الرئيس الباكستاني إلى محاولة النفاذ إلى الساحة الإيرانية عبر الطرف السوري، ومن ثم محاولة ملء الفراغ الإيراني، لتيقنه من قرب انحسار نفوذ طهران في آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، وفي المنطقة العربية خصوصاً، فور فرض عقوبات دولية مشددة قريباً على إيران بسبب تماديها نووياً. سيما وأن هناك تنسيقاً سورياً - تركياً مسبقاً، غايته ملء فراغ إيران في آسيا الوسطى وتحديداً في شبه القارة الهندية ولو من الناحية الاقتصادية والنفطية، ومحاولة محاصرة النفوذ الأميركي - الإسرائيلي المتنامي هناك، عبر تشكيل جبهة سورية - تركية - روسية - أذربيجانية. الدوافع الباكستانية وأشارت المصادر التركية الى أن هناك معطيات كثيرة دفعت بالنظام الباكستاني الى الانحراف تدريجياً للخروج من تحت المظلة الأميركية تتلخص بالتالي: - تولدت قناعة لدى قادة المخابرات والجيش الباكستاني، بأن الغاية الحقيقية والمخفية من التصعيد العسكري الأميركي في أفغانستان، هي دفع مقاتلي »طالبان« الأفغان، إلى داخل باكستان بغية استنزاف القدرات العسكرية الباكستانية، عبر ترك الجيش الباكستاني وحيداً في مواجهة مقاتلي حركة طالبان الباكستانية والأفغانية، إضافة إلى تنظيم »القاعدة« وقرابة 10 آلاف مسلح يتبعون لـ»الجبهة الإسلامية الأوزبكستانية« الحليف الرئيسي لحركة طالبان وتنظيم القاعدة. كما تولدت قناعة لدى المخابرات الباكستانية، بعد جمعها الأدلة والقرائن، بوقوف نظيرتها الأميركية عبر شركة »بلاك ووتر« الأمنية اليهودية الخاصة، خلف التفجيرات الدامية التي شهدتها العاصمة الباكستانية والتي استهدفت بعض المنشآت الحساسة والمهمة التابعة للمخابرات والجيش الباكستاني. - تزايد عمليات قصف القرى والمدن الباكستانية الآهلة بالسكان، من قبل الطائرات الأميركية المسيرة (بدون طيار) من دون الحصول على موافقة السلطات الباكستانية، الأمر الذي أدى إلى إثارة الغضب الشعبي العارم ضد حكومة إسلام آباد، كون ذريعة واشنطن هي تصفية قياديي حركة طالبان، بينما يصيب الأذى حصراً المواطنين الباكستانيين. امتعاض أميركي وكشفت المصادر الديبلوماسية التركية أيضاً، أن الإدارة ووزارة الخارجية الأميركية ولجان العلاقات الخارجية التابعة لـ»الكونغرس« أبدت امتعاضها من قيام حليف أميركا الاستراتيجي في آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، الرئيس زرداري بزيارة دمشق. خصوصاً أن الأميركيين ما زالت تتداعى في مخيلتهم الزيارات المتبادلة السابقة بين الرئيس السوري ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وما ترتب عليها من تحول في الموقف التركي لصالح سورية وفلسطين وعلى حساب إسرائيل. على نحو وصفته بعض المصادر، بأنه ألحق ضرراً بالغاً بجدول أعمال السياسة الخارجية الأميركية - الإسرائيلية عموماً والشرق أوسطية خصوصاً. لهذا السبب أوفدت الإدارة الأميركية السيناتور جون ماكين المرشح الرئاسي الجمهوري السابق، والذي رافقه السيناتور الديموقراطي جو ليبرمان (يهودي)، وكلاهما حليف لإسرائيل في الكونغرس، وفي الحزبين الجمهوري والديموقراطي، إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد في 9 الجاري، أي قبل يوم واحد من لقائه نظيره السوري في 10 الجاري. من أجل إعطاء انطباع لدمشق بخضوع زيارة الرئيس الباكستاني لها، وما ستحمله من ملفات، لتأثير الإملاءات الأميركية. كما كشفت المصادر التركية، عن تطرق لقاء ماكين وليبرمان بالرئيس زرداري، إلى النقاط الآتية: - التأكيد للرئيس زرداري التزام واشنطن دعم جهود باكستان في حربها ضد الإرهاب. - التأكيد لإسلام آباد بأن تطور العلاقات الأميركية - الهندية لن يؤثر على العلاقات الأميركية الباكستانية. - التأكيد لباكستان بأن استقرارها يرتبط بمدى استقرار جارتها أفغانستان.